الشيخ محمد رشيد رضا

54

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

اليومية ان مجذوبا من أبناء السبعين قال أنا المتبولي فصدقه الناس وصاروا يتبركون به . ولولا حزم الحكومة لحدث بين عوام المصريين واليونانيين من جرّاء هذه المسألة فتن سفكت فيها الدماء ولكن الحكومة تداركت ذلك وفرقت شمل الجماهير وقبضت على بعضهم وحبستهم هذا وان كثيرا من الصوفية الذين يناجون الأرواح يرون المسيح وأمه كثيرا . وقد تعرّف إلي بعضهم وهو أعجمي من أصحاب المظاهر الدنيوية يخفي تصوفه عن أقرانه وأخبرني أنه يرى أرواح الأنبياء ويتلقى عنهم علوما يكتبها بالعربية ، وانه رأى عيسى ومريم عليهما السّلام مرارا وتلقى عنهما ، ومن ذلك أنه سأل مريم عن تمثل الملك لها ونفخه فيها فأجابته عن ذلك وانه حصل من ذلك نحو ما يحصل بالزواج من التلقيح . وسألته أنا عن استحضار الأرواح الذي نسمعه عن الإفرنج هل هو مثل ما يذكره عن نفسه ، ويؤثر عن الصوفية من قبله ، فقال إن بعضه حيل وبعضه له أصل دون ما عندنا وأبعد عنه بمراحل . وانا لا أتهم هذا الرجل بالكذب عن نفسه ولا أتهم الامام الغزالي فيما رواه عن نفسه من مثل ذلك أيضا . وانما أقول إذا كانت هذه الرؤية خيالية أيضا كرؤية الشيخ راغب فهي تؤكد ما نحن فيه من جواز مثل ذلك على جماعة المسيح . وان كانت حقيقية وهي ولا شك أعلى وأكمل مما يثبته الكثيرون من علماء الإفرنج فهي مصدقة لخبر القرآن في قصة المسيح ، وناقضة لتلك العقيدة الخيالية ، المقرر مثلها عند الأمم الوثنية . حاصل المباحث والشك في وجود المسيح حاصل هذه المباحث ان قصة الصلب ليس لها سند متصل إلى الافراد الذين رويت عنهم ، وأولئك الافراد الذين رووها غير معروفين معرفة يقينية كما يعلم من دائرة المعارف الفرنسية وغيرها من الكتب التي ألفها علماء أوربة الأحرار . وان الذي يؤخذ من مجموع تلك الروايات المنقطعة الاسناد أن أول من وضع هذه العقيدة النصرانية المعروفة الآن هو بولس اليهودي الذي كان أشد أعداء المسيح عليه السّلام وألد خصوم اتباعه خصاما . ثم رأى أنه لا يتمكن من نكاتيهم وافساد امرهم ، الا بدخوله فيهم ، ففعل . وعلى تقدير وقوع الصلب ورؤية المسيح بعده